الأنبياء

سليمان يختار الحكمة

كان أول ما فعله سليمان بعد توليه الحكم أنه عقد صلحاً مع ملك مصر وتزوج واحدة من بناته، ولقد كان ذلك مصدر أمن لسليمان. وتزوج سليمان بكثيرات بعد ذلك لأغراض دبلوماسية، فبقي بنو إسرائيل أربعين سنة، هي مدة حكم سليمان، في سلام بغير حرب. وأغلب الظن أن فرعون الذي تزوج سليمان بابنته هو »بسيناسيس«، وأغلب الظن أن ابنة فرعون لما تزوجت سليمان دانت بالدين اليهودي، ومما يؤيد ذلك أنه في آخر حياة سليمان، لما بنى مرتفعات لآلهة نسائه الأجنبيات لم يُذكر أنه بنى مرتفعة لآلهة مصر.

سليمان يتعبّد:

بعد ما تولى سليمان الحكم، ذهب إلى مدينة جبعون، وهي مدينة لسبط بنيامين تقع على بُعد ثمانية كيلو مترات شمال أورشليم، واسمها اليوم »الجيب«، وموقعها على قمة هضبة، في أسفلها ينبوع ماء، فكانت مكاناً ملائماً لتقديم الذبائح. وكانت خيمة الاجتماع التي أقامها موسى موجودة في جبعون وبها مذبح النحاس، فدُعي المكان: »المرتفعة العظمى«. وهناك أصعد سليمان ألف محرقة على ذلك المذبح (1ملوك 3:1-4).

وتقول لنا التوراة إن مسكن الرب الذي عمله موسى في البرية ومذبح المحرقة كانا في ذلك الوقت في المرتفعة في جبعون، وكانت الذبائح التي قدمها سليمان عظيمة توافق عظمة الملك، وتبين تكريسه للرب في أول مُلكه. وحضر تقديم تلك الذبائح رؤساء جميع بني إسرائيل، فكانت علامة اتحادهم جميعاً في عبادة واحدة للإله الواحد. وبعد أن قدم سليمان تلك الذبائح، ظهر الرب لسليمان في حلم ليلاً وقال له: »اسْأَلْ مَاذَا أُعْطِيكَ«. فَقَالَ سُلَيْمَانُ: »إِنَّكَ قَدْ فَعَلْتَ مَعَ عَبْدِكَ دَاوُدَ أَبِي رَحْمَةً عَظِيمَةً حَسْبَمَا سَارَ أَمَامَكَ بِأَمَانَةٍ وَبِرٍّ وَاسْتِقَامَةِ قَلْبٍ مَعَكَ، فَحَفِظْتَ لَهُ هذِهِ الرَّحْمَةَ الْعَظِيمَةَ وَأَعْطَيْتَهُ ابْناً يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّهِ كَهذَا الْيَوْمِ. وَالْآنَ أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي، أَنْتَ مَلَّكْتَ عَبْدَكَ مَكَانَ دَاوُدَ أَبِي، وَأَنَا فَتىً صَغِيرٌ لَا أَعْلَمُ الْخُرُوجَ وَالدُّخُولَ. وَعَبْدُكَ فِي وَسَطِ شَعْبِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ شَعْبٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَى وَلَا يُعَدُّ مِنَ الْكَثْرَةِ. فَأَعْطِ عَبْدَكَ قَلْباً فَهِيماً لِأَحْكُمَ عَلَى شَعْبِكَ وَأُمَيِّزَ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، لِأَنَّهُ مَنْ يَقْدُِرُ أَنْ يَحْكُمَ عَلَى شَعْبِكَ الْعَظِيمِ هذَا؟«. وكانت إجابة سليمان هذه سبب رضى الله عليه، فَقَالَ لَهُ اللّهُ: »مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ قَدْ سَأَلْتَ هذَا الْأَمْرَ وَلَمْ تَسْأَلْ لِنَفْسِكَ أَيَّاماً كَثِيرَةً وَلَا سَأَلْتَ لِنَفْسِكَ غِنًى وَلَا سَأَلْتَ أَنْفُسَ أَعْدَائِكَ، بَلْ سَأَلْتَ لِنَفْسِكَ تَمْيِيزاً لِتَفْهَمَ الْحُكْمَ، هُوَذَا قَدْ فَعَلْتُ حَسَبَ كَلَامِكَ. هُوَذَا أَعْطَيْتُكَ قَلْباً حَكِيماً وَمُمَيِّزاً حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُكَ قَبْلَكَ وَلَا يَقُومُ بَعْدَكَ نَظِيرُكَ. وَقَدْ أَعْطَيْتُكَ أَيْضاً مَا لَمْ تَسْأَلْهُ، غِنًى وَكَرَامَةً حَتَّى إِنَّهُ لَا يَكُونُ رَجُلٌ مِثْلَكَ فِي الْمُلُوكِ كُلَّ أَيَّامِكَ. فَإِنْ سَلَكْتَ فِي طَرِيقِي وَحَفِظْتَ فَرَائِضِي وَوَصَايَايَ كَمَا سَلَكَ دَاوُدُ أَبُوكَ فَإِنِّي أُطِيلُ أَيَّامَكَ« (1ملوك 3:5-14).

واستيقظ سليمان وإذا هو حلم. فامتلأت نفسه بالرضى والسرور. لقد سُرَّ سليمان بالحق في الباطن، فطلب عقله الباطن أثناء نومه حكمة، لأنه كان يقدر المسئولية العظمى الموضوعة علىكتفيه. وعندما عاد إلى أورشليم وقف أمام تابوت عهد الرب وأصعد محرقات وقرَّب ذبائح سلامة وعمل وليمة لكل عبيده.

سليمان المتواضع:

قال سليمان للرب: »أَنَا فَتىً صَغِيرٌ لَا أَعْلَمُ الْخُرُوجَ وَالدُّخُولَ«. هذه الروح الجميلة هي روح متواضعة، ترغب في أن تتعلم. وما أحوجنا أن نقف أمام الله دائماً في تواضع، نطلب منه أن يعلمنا وأن يعطينا الحكمة. ويقول لنا الإنجيل المقدس: »إِنْ كَانَ أَحَدُكُمْ تُعْوِزُهُ حِكْمَةٌ فَلْيَطْلُبْ مِنَ اللّهِ الَّذِي يُعْطِي الْجَمِيعَ بِسَخَاءٍ وَلَا يُعَيِّرُ، فَسَيُعْطَى لَهُ. وَلكِنْ لِيَطْلُبْ بِإِيمَانٍ غَيْرَ مُرْتَابٍ الْبَتَّةَ، لِأَنَّ الْمُرْتَابَ يُشْبِهُ مَوْجاً مِنَ الْبَحْرِ تَخْبِطُهُ الرِّيحُ وَتَدْفَعُهُ. فَلَا يَظُنَّ ذلِكَ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ يَنَالُ شَيْئاً مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ. رَجُلٌ ذُو رَأْيَيْنِ هُوَ مُتَقَلْقِلٌ فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ وَلْيَفْتَخِرِ الْأَخُ الْمُتَّضِعُ بِارْتِفَاعِهِ، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَبِاتِّضَاعِهِ، لِأَنَّهُ كَزَهْرِ الْعُشْبِ يَزُولُ. لِأَنَّ الشَّمْسَ أَشْرَقَتْ بِالْحَرِّ، فَيَبَّسَتِ الْعُشْبَ، فَسَقَطَ زَهْرُهُ وَفَنِيَ جَمَالُ مَنْظَرِهِ. هكَذَا يَذْبُلُ الْغَنِيُّ أَيْضاً فِي طُرُقِهِ« (يعقوب 1:5-11).

أيها القارئ الكريم، لو أن الله قال لك: »اسأل ماذا أعطيك؟«. لا بد أن هذه تكون نقطة تحوُّل في حياتك. ماذا عساك تقول؟ إلى أي شيء يشتاق قلبك أكثر مما يمكن أن تمنحه لك الأرض والأصحاب المحيطون بك؟ هل ترغب في أن تعرف الله معرفة أكبر؟ هل تشتاق أن تتقدس أكثر في محبة الله؟ استمع إلى ما قال نبي الله داود في مزموره السابع والعشرين:

»وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ. لِأَنَّهُ يُخَبِّئُنِي فِي مَظَلَّتِهِ فِي يَوْمِ الشَّرِّ. يَسْتُرُنِي بِسِتْرِ خَيْمَتِهِ. عَلَى صَخْرَةٍ يَرْفَعُنِي. وَالْآنَ يَرْتَفِعُ رَأْسِي عَلَى أَعْدَائِي حَوْلِي، فَأَذْبَحُ فِي خَيْمَتِهِ ذَبَائِحَ الْهُتَافِ. أُغَنِّي وَأُرَنِّمُ لِلرَّبِّ« (مزمور 27:4-6).

سليمان الحكيم:

ظهرت حكمة سليمان في كثير من المواقف. تذكر التوراة المقدسة لنا منها قصة تقول إن امرأتين أتتا إلى الملك سليمان ووقفتا بين يديه. قالت إحداهما: »اسْتَمِعْ يَا سَيِّدِي. إِنِّي أَنَا وَهذِهِ الْمَرْأَةُ سَاكِنَتَانِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَقَدْ وَلَدْتُ مَعَهَا فِي الْبَيْتِ. وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ بَعْدَ وِلَادَتِي وَلَدَتْ هذِهِ الْمَرْأَةُ أَيْضاً، وَكُنَّا مَعاً وَلَمْ يَكُنْ مَعَنَا غَرِيبٌ فِي الْبَيْتِ. فَمَاتَ ابْنُ هذِهِ فِي اللَّيْلِ لِأَنَّهَا اضْطَجَعَتْ عَلَيْهِ. فَقَامَتْ فِي وَسَطِ اللَّيْلِ وَأَخَذَتِ ابْنِي مِنْ جَانِبِي وَأَمَتُكَ نَائِمَةٌ، وَأَضْجَعَتْهُ فِي حِضْنِهَا، وَأَضْجَعَتِ ابْنَهَا الْمَيِّتَ فِي حِضْنِي. فَلَمَّا قُمْتُ صَبَاحاً لِأُرَضِّعَ ابْنِي إِذَا هُوَ مَيِّتٌ. وَلَمَّا تَأَمَّلْتُ فِيهِ فِي الصَّبَاحِ إِذَا هُوَ لَيْسَ ابْنِيَ الَّذِي وَلَدْتُهُ«. وجعلت كلٌّ من السيدتين تتهم الأخرى أن ابن زميلتها هو الميت وأن ابن المتكلمة هو الحي. وهنا قال الملك سليمان: »اِيتُونِي بِسَيْفٍ«. فَأَتُوا بِسَيْفٍ فَقَالَ الْمَلِكُ: »اشْطُرُوا الْوَلَدَ الْحَيَّ اثْنَيْنِ، وَأَعْطُوا نِصْفاً لِلْوَاحِدَةِ وَنِصْفاً لِلْأُخْرَى«. فقالت الأم الحقيقية: »اسْتَمِعْ يَا سَيِّدِي. أَعْطُوهَا الْوَلَدَ الْحَيَّ وَلَا تُمِيتُوهُ«. أما المرأة التي كانت تدّعي أمومة الولد فقالت: »اُشْطُرُوهُ« (1ملوك 3:17-26). عندئذ أصدر الملك سليمان أمره أن يُعطى الولد الحيّ لأمه الحقيقية التي أشفقت عليه.

سليمان ينظم مملكته:

ظهرت حكمة سليمان في تنظيم شئون المملكة. كان الملك داود قد هزم كثيراً من الدول المحيطة به، فورث سليمان مملكة عظيمة من نهر الفرات في الشرق إلى حدود مصر في الغرب والجنوب، وتمتع الشعب بسلام كبير في فترة حكمه. وتقول التوراة: »وَكَانَ سُلَيْمَانُ مُتَسَلِّطاً عَلَى جَمِيعِ الْمَمَالِكِ مِنَ النَّهْرِ إِلَى أَرْضِ فِلِسْطِينَ وَإِلَى تُخُومِ مِصْرَ. كَانُوا يُقَدِّمُونَ الْهَدَايَا وَيَخْدِمُونَ سُلَيْمَانَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِهِ... لِأَنَّهُ كَانَ مُتَسَلِّطاً عَلَى كُلِّ مَا عَبْرَ النَّهْرِ مِنْ تَفْسَحَ إِلَى غَزَّةَ عَلَى كُلِّ مُلُوكِ عَبْرِ النَّهْرِ، وَكَانَ لَهُ صُلْحٌ مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهِ حَوَالَيْهِ« (1ملوك 4:21-24). ولم يكن سليمان متسلطاً فقط على الملوك، بل كان موضع احترامهم وإجلالهم. فتقول التوراة أيضاً: »وَكَانَ صِيتُهُ فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ حَوَالَيْهِ. وَكَانُوا يَأْتُونَ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ لِيَسْمَعُوا حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ مِنْ جَمِيعِ مُلُوكِ الْأَرْضِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِحِكْمَتِهِ« (1ملوك 4:31 و34). وتقول التوراة أيضاً: »وَكَانَ يَهُوذَا وَإِسْرَائِيلُ كَثِيرِينَ كَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى الْبَحْرِ فِي الْكَثْرَةِ. يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَفْرَحُونَ. وَسَكَنَ يَهُوذَا وَإِسْرَائِيلُ آمِنِينَ كُلُّ وَاحِدٍ تَحْتَ كَرْمَتِهِ وَتَحْتَ تِينَتِهِ مِنْ دَانَ إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ كُلَّ أَيَّامِ سُلَيْمَانَ« (1ملوك 4:20 و25).

ويقول المؤرخون إن عدد بني إسرائيل وقت حكم الملك سليمان كان أربعة ملايين. وقال أحد المؤرخين الدينيين: »لئن كان الملك داود قد أقام أمة إسرائيل، فإن الملك سليمان قد أقام دولة إسرائيل«. فكان يعاون الملك سليمان في ملكه اثنا عشر وكيلاً، هم رئيس الكهنة ومعه كاهنان، وكاتبان يكتبان مكاتيب الملك، ومسجل يؤرخ ويكتب الحوادث المهمة. كما كان هناك رئيس للجيش، ورئيس على الوكلاء، وصاحب للملك هو المستشار، ورئيس للبيت - وهذا هو أول ذكر لهذا المنصب. وكان له رئيس للتسخير ليقيم أبنية سليمان العظيمة، لبناء الهكيل ومدن المخازن. وكان للملك اثنا عشر وكيلاً آخرين، كل وكيل على قسم من الشعب، يجمع من قسمه نفقات شهر لبيت الملك. وكان اثنان من هؤلاء الوكلاء متزوجين من ابنتين للملك سليمان. ولقد كان السلام المستمر في مملكة سليمان مصدر نجاح وثراء. وتقول التوراة: »وَأَعْطَى اللّهُ سُلَيْمَانَ حِكْمَةً وَفَهْماً كَثِيراً جِدّاً وَرَحْبَةَ قَلْبٍ كَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ. وَفَاقَتْ حِكْمَةُ سُلَيْمَانَ حِكْمَةَ جَمِيعِ بَنِي الْمَشْرِقِ وَكُلَّ حِكْمَةِ مِصْرَ. وَكَانَ أَحْكَمَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ مِنْ أَيْثَانَ الْأَزْرَاحِيِّ وَهَيْمَانَ وَكَلْكُولَ وَدَرْدَعَ بَنِي مَاحُولَ. وَكَانَ صِيتُهُ فِي جَمِيعِ الْأُمَمِ حَوَالَيْهِ. وَتَكَلَّمَ بِثَلَاثَةِ آلَافِ مَثَلٍ، وَكَانَتْ نَشَائِدُهُ أَلْفاً وَخَمْساً. وَتَكَلَّمَ عَنِ الْأَشْجَارِ، مِنَ الْأَرْزِ الَّذِي فِي لُبْنَانَ إِلَى الزُّوفَا النَّابِتِ فِي الْحَائِطِ. وَتَكَلَّمَ عَنِ الْبَهَائِمِ وَعَنِ الطَّيْرِ وَعَنِ الدَّبِيبِ وَعَنِ السَّمَكِ. وَكَانُوا يَأْتُونَ مِنْ جَمِيعِ الشُّعُوبِ لِيَسْمَعُوا حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ مِنْ جَمِيعِ مُلُوكِ الْأَرْضِ الَّذِينَ سَمِعُوا بِحِكْمَتِهِ« (1ملوك 4:29-34).  

  • عدد الزيارات: 2317