الخلاص

الخلاص الكامل

كيف أخلص خلاصاً كاملاً، ولا أعود إلى الخطية؟

هل يكفي للخلاص أن نعتمد ونؤمن؟

ماذا يبقى على التائب بعد أن نال الحل من خطاياه؟

كيف أخلصُ خلاصاً كاملاً؟

قبيل صعوده أوصى المسيح تلاميذه: "اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالْإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا. مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ" (الإنجيل بحسب مرقس 16:15-16). ونفهم من شرح الرسل الأطهار لوصيّة سيّدهم أنّ الناس جميعاً محكوم عليهم بالهلاك، ولكن من يؤمن بالمسيح ينال باسمه غفران خطاياه السالفة، ويخلص من إثم الخطيّة وسلطانها.

و حين نتأمّل تعليم الكتاب المقدّس الخاصّ بالإيمان الخلاصيّ، نجد أنّ الله قد أعدّ لنا الخلاص فعلاً، وأنّ للإيمان الخلاصيّ خصائص مهمّة جدّاً منها:

الإنتباه للمعلنات الإلهيّة في الأسفار المقدّسة: وتصديق ما جاء فيها عن الخلاص المُعدّ لنا بالمسيح، والتسليم بصحّة أنباء الكتاب المقدّس بحال الإنسان الطبيعيّة الساقطة، واحتياجه إلى المسيح. إلاّ أنّ هذه الخاصّة العقليّة لا تكفي وحدها للخلاص، وإنّما تهدي الإنسان في طريق الإيمان الخلاصيّ.

الإقتناع القلبيّ باحتياج النفس الساقطة:

والشكر والحمد لله على تمهيد طريق للخلاص بالمسيح، الذي أعدّه مجّاناً لجنسنا الساقط.

الإتّكال الاختياريّ على المسيح باعتبار كونه ربّنا ومخلّصنا:

وذلك يتضمّن الإقرار بالذنب وعدم الاستحقاق، وبسلطة المسيح علينا وقبوله مخلّصاً لنا والتمسّك به واسطة وحيدة للمغفرة والتكفير والحياة الروحيّة وهذا الشرط مبنيّ على آيات كثيرة في الكتاب المقدّس توضح لنا كيف نأتي إلى المسيح لنوال الخلاص منه:

"تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الْأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ. اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لِأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ" (الإنجيل بحسب متّى 11:28-29).

"وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلَادَ اللّهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ" (الإنجيل بحسب يوحنّا 1:12).

"وَلكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الْأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (الإنجيل بحسب يوحنّا 4:14).

"أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا، وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيّاً وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الْأَبَدِ" (الإنجيل بحسب يوحنّا 11:25-26).

"وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلَامِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ، وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ" (الإنجيل بحسب يوحنّا 20:30-31).

"آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ"

(أعمال الرسل 16:31).

وللإيمان الخلاصيّ موضوعان:

عامّ وخاصّ. أمّا العامّ فهو ما جاء في المعلنات الإلهيّة. وأمّا الخاصّ فهو المسيح وعمله باعتبار أنّه فادٍ. فالإيمان الخلاصيّ يعتمد على الوعد الإلهيّ بالخلاص بالمسيح، والأدلّة على أنّ المسيح هو الموضوع الخلاصيّ كثيرة، منها:

شهادة المسيح:

طلب من الناس الإيمان، بقوله إنهم إن لم يؤمنوا به يُدانوا، وإنّه رُفِع على الصليب لكي لا يهلك كلّ من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبديّة، وإنّ الذي يؤمن به لا يُدان، والذي لا يؤمن قد دين لأنّه لم يؤمن باسم ابن الله الوحيد. وإنّ الذي يؤمن بالابن له حياة أبديّة، والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة، بل يمكث عليه غضب الله. وإنّ هذه مشيئة الله الذي أرسله أنّ كلّ من يراه ويؤمن به تكون له حياة أبديّة (الإنجيل بحسب يوحنّا 3:15 و18، و36).

لزوم قبول المسيح:

فالآيات التي تصرّح بأنّنا نخلص بقبولنا المسيح متعدّدة ومنها:

"وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلَادَ اللّهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِه" (الإنجيل بحسب يوحنّا 1:12).

"إِنْ كُنَّا نَقْبَلُ شَهَادَةَ النَّاسِ فَشَهَادَةُ اللّهِ أَعْظَمُ، لِأَنَّ هذِهِ هِيَ شَهَادَةُ اللّهِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا عَنِ ابْنِهِ. مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ اللّهِ فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ. مَنْ لَا يُصَدِّقُ اللّهَ فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِباً، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا اللّهُ عَنِ ابْنِهِ. وَهذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ اللّهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ. مَنْ لَهُ الِابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللّهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاة" (1يوحنّا 5:9-12).

"مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللّهِ. وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ" (1يوحنّا 5:1).

فمن هذه الآيات يظهر جليّاً أنّ المطلوب منّا لأجل الخلاص هو قبول المسيح، وقبول الشهادة التي شهد بها الله عن ابنه، والإيمان بأنّه المسيح ابن الله الحيّ. فالمسيح هو موضوع الإيمان الذي يؤكّد الخلاص، ولذلك يكون الإيمان هو النظر إلى المسيح والإيمان به وتسليم النفس له.

تعليم الرسل:

علّم بولس أنّنا نتبرّر بالإيمان بالمسيح. والمراد بالإيمان هنا ليس الإيمان الذي يتناول العقل، ولا مجرّد الثقة العامّة في الله، ولا تصديق القول الإلهيّ أو اليقين بالحقائق الأبديّة. بل الإيمان الذي موضوعه المسيح. قال الرسول بولس "بِرُّ اللّهِ بِالْإِيمَانِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، إِلَى كُلِّ وَعَلَى كُلِّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ" (رومية 3:22).

"إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضاً بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لَا بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ" (غلاطية 2:16).

"إِذاً قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالْإِيمَانِ" (غلاطية 3:24). "لِأَنَّكُمْ جَمِيعاً أَبْنَاءُ اللّهِ بِالْإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ" (غلاطية 3:26).

"فَمَا أَحْيَاهُ الْآنَ فِي الْجَسَدِ فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الْإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللّهِ" (غلاطية 2:20).

المسيح قدّم نفسه فدية عنّا:

بذل المسيح نفسه فدية عن كثيرين، وجُعِل كفّارة عن الخطايا، وقدّم نفسه ذبيحة لله. ويَخْلص الناس باستحقاق بِرّه وموته.

فلأنّه فادينا والكفّارة عن خطايانا وبالإيمان به نتصالح مع الله، يجب أن نقبله كذلك ونتّكل عليه. ونظام الإنجيل كلّه يقتضي أن يكون المسيح في ذاته وعمله موضوعاً للإيمان وأساساً للثقة.

حياتنا في المسيح بالإيمان:

ويتبرهن ذلك من الكلام على نسبة المؤمنين إلى المسيح، فقيل في الكتاب إنّنا فيه بالإيمان وإنّه يثبت فينا. وإنّه رأس الجسد ونحن الأعضاء فيه وحياتنا منه. وإنّه الكرمة ونحن الأغصان. وإنّه رئيس الإيمان ومكمّله. فهذه الأقوال وغيرها تنفي القول إنّ مجرّد الإيمان العامّ بالله أو بالكتاب المقدّس يؤكّد خلاصنا، وتثبت أنّ إيمان الخلاص هو الذي يثبتنا في المسيح ويجعله لنا إلهاً ومخلّصاً.

ونقرأ أيضاً في الكتاب المقدّس أنّ الله أرسل ابنه إلى العالم ليخلُص به العالم، وأنّ المسيح مات عن خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا، وأنّه صار لنا من الله حكمة وبِرّاً وقداسة وفداءً. فالذين يقبلون هذا المخلّص كما أعلن نفسه، ويسلّمون نفوسهم له ويوقفون ذواتهم لخدمته هم المؤمنون بالمعنى المقصود في الكتاب، وبالتالي هم المخلَّصون بالنعمة.

كلّ مؤمن حقيقيّ، يقبل المسيح، ويتّخذه مخلّصاً ومنجّياً من شرّ الخطيّة. و يقول الكتاب إنّ المسيح صار لخاصّته نبيّاً وكاهناً وملكاً، ومصدر الحياة والنور والسعادة، وموضوع العبادة والمحبّة.

فإذا كان للخلاص هذا الأثر والخطورة والعمق في حياة الإنسان وأبديّته، فمن اللازم أن نسأل عن طبيعته ومعناه ومدلوله المحدّد. أو من اللازم أن نسأل: ما هو الخلاص؟

والديانة المسيحيّة بجملتها ديانة الخلاص أوّلاً وآخِراً. ومؤسّسها وبانيها هو كلمة الله المتجسّد الذي جاء إلى العالم باسم "يسوع" الذي معناه "الله مخلّص". فالخلاص كما هو واضح من رسالة المسيح والمسيحيّة هو خلاص الإنسان من الخطيّة، إذ قال الملاك عن العذراء "فَسَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ، لِأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ" (متّى 1:21). وقال المسيح عن نفسه "لِأَنَّ ابْنَ الْإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (لوقا 19:10).

فممّا تقدّم ترى أنّ التائب لا ينال الخلاص بمجرّد تدخُّل كاهن ما لحلّه من خطاياه. لأنّ لا كاهن ولا قدّيس ولا نبيّ ولا ملاك له سلطان على الحلّ من الخطايا. شخص وحيد فقط له هذا السلطان هو يسوع المسيح، كما هو مكتوب: "وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلَاصُ. لِأَنْ لَيْسَ اسْمٌ آخَرُ تَحْتَ السَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ النَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ" (أعمال الرسل 4:12). 

لمزيد من الفائدة والإضطلاع على موضوعات مشابهة، الرجاء زيارة موقع النور.
  • عدد الزيارات: 2205
أضف تعليق